من هم النخب الذين ظهرت أسماؤهم في ملف إبستين؟
د.جوزيف ديب
Thursday, 12-Feb-2026 07:12

جيفري إبستين (Jeffrey Epstein) مموّل أميركي تحوّل اسمه إلى عنوان لواحدة من أبشع قضايا الاستغلال الجنسي والإتجار بالبشر، بعدما وُجِّهت إليه اتهامات باستغلال قاصرات وبناء شبكة استدراج وحماية، امتدّت داخل دوائر نفوذ ومال وعلاقات. هنا لا مكان لأي تلطيف، فما جرى بحق الضحايا جريمة مكتملة الأركان أخلاقياً وإنسانياً قبل أي توصيف قانوني، وأي تحليل لا يبدأ من هذا الاستنكار يتحوّل إلى كلام بلا قيمة. لذلك المقصود في هذا النص ليس إثارة الفضول، بل فهم كيف يُستعمل نشر الملف في هذا التوقيت للضغط السياسي والإعلامي، وكيف تدخل العدالة نفسها في هذا الاستخدام.

ما أعاد هذه القضية إلى الواجهة ليس حنيناً إلى فضيحة قديمة، بل قرار رسمي يُغيّر قواعد اللعبة. وزارة العدل الأميركية أعلنت في 30 كانون الثاني 2026 نشر ما يقارب 3,5 ملايين صفحة ضمن مواد أُفرِج عنها، مع آلاف الفيديوهات ومئات آلاف الصور، وبمجرّد أن يتحوّل الموضوع إلى نشر رسمي لا يعود «سيرة شخص»، بل يصبح أرشيف دولة يُفتح تدريجياً تحت غطاء قانوني، وفي قلب مواسم سياسية في أكثر من بلد، حيث تتحوّل الوثيقة إلى أداة تُستعمل ضدّ الخصوم وتُرفع عند الحاجة وتُسكت عند الحاجة.

 

وقبل أن يُسأل عن الأسماء، يجب أن يُفهم معنى النخبة في هذا السياق. النخبة هنا ليست لائحة أسماء على طريقة الصحف الصفراء. النخبة هي الوسط الذي يقرّر ويؤثر ويضبط الإيقاع، سياسيّون وصنّاع قرار، مموّلون ومديرو شركات كبرى، وجوه إعلام وصناعة رأي، شبكات علاقات عامة ومحامون، عالم الفن والسينما والتمويل الخيري، وكل مَن يملك قدرة على تحويل لقاء اجتماعي إلى نفوذ. لذلك السؤال لا يطلب أسماء بقدر ما يطلب فهماً لكيف يمرّ النفوذ من قناة إلى أخرى، وكيف يتحوّل «الاقتراب من الاسم» إلى كلفة على بعض، وإلى حصانة عند آخرين.

 

إذاً، السؤال ليس مَن الاسم، بل لماذا الآن وما المقصود من هذا الإخراج، هل المطلوب إسقاط خصم سياسي عبر ضربة سمعة، أم فرض شروط جديدة في ملفات أكبر من الفضيحة نفسها، من التبادل التجاري إلى شروط المصالح إلى إعادة توزيع النفوذ، لأنّ توقيت الكشف وحده يكفي أحياناً لفرض لحظة ضغط لا يصنعها أي تصريح، والتاريخ مليء بأمثلة على «الرأس الرمزي» الذي يُستحضر لتصفية مرحلة كاملة، يكفي أن نتذكّر كيف استُخدمت صورة ماري أنطوانيت كاختصار جاهز لإسقاط نظام لا لإسقاط امرأة. ماري أنطوانيت ليست درس تاريخ، هي ملكة فرنسا الأخيرة قبل الثورة، تحوّلت صورتها في زمن الانهيار إلى اختصار لغضب جماعي ضدّ طبقة حاكمة، وفي الوعي العام إلى رمز لترف البلاط، ثم حوكمت وأُعدمت بالمقصلة عام 1793 خلال الثورة الفرنسية، لذلك تُستحضر هنا كـ»الرمز» لا كتشابه في الوقائع ولا الأخلاق.

 

وفي قلب هذا كلّه، الصمت نفسه يتحوّل إلى اتهام غير مباشر. وبحسب «رويترز»، مَثلت غيزلاين ماكسويل (Ghislaine Maxwell) أمام لجنة في الكونغرس في 9 شباط 2026 ورفضت الإجابة مستندة إلى حق دستوري. هذا لا يُقرأ كخبر عابر بل كدليل على أنّ الكلام له ثمن، وأنّ إدارة الملف لا تُحسم فقط داخل المحكمة بل داخل حسابات السياسة والإعلام التي تُحدِّد متى يُقال وما الذي يُترك بلا جواب.

 

أمّا في لبنان، هنا المشكلة ليست أنّ النخب «تخاف» أو «لا تخاف» على اسمها أو صيتها، بل إنّ النخب المالية والسياسية والاجتماعية والدينية والإعلامية صمتت عن جريمة العصر الاقتصادية، جريمة لا مثيل لها على الكرة الأرضية، يوم سُرقت مدّخرات المودعين، ثم أُعيد توصيف «دين الدولة» من أموال المودعين على أنّه «فجوة»، وكأنّها كلمة سحرية تمحو الجريمة وتبدّل الفاعل. ثم جلست هذه النخبة تشاهد بكل برودة «مهندس السرقة» يخرج من السجن بكفالة، بحفنة من ملايين الدولارات! فهل نخبة كهذه تكترث لأن يُذكر اسمها أو لا يُذكر في ملفات إبستين؟

 

وفي الخلاصة، لا يُستعمل اسم إبستين والنخب هنا كقصة للتسلية ولا كمنصة لاستعراض ذكاء. يُستعمل كنافذة على طريقة عمل السلطة عندما تتحكّم بلحظة النشر وبصناعة الرمز. وبين جيفري إبستين وماري أنطوانيت والنخب الذين يُسلَّط الضوء عليهم، خيط واحد يصلح للتحليل، كيف يُختصر زمن كامل في صورة أو نخبة تُرفع عند الحاجة؟ لكن يبقى خط أحمر لا يجوز تجاوزه، الإدانة يجب أن تبقى للجريمة ولِمَن ارتكبها ولِمَن غطّاها، والضحايا يجب أن يبقوا في مركز الإنصاف لا على الهامش، وأي مقاربة تتعامل مع الملف كصراع نفوذ وتتجاهل ما جرى بحقهم، تفرّغ المحاسبة من معناها حتى لو لم تُقصَد.

الأكثر قراءة